أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
497
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
وأمّا قراءة الرفع فعلى الابتداء والخبر محذوف أي : وأرجلكم مغسولة أو ممسوحة على ما تقدم في حكمها . والكلام في قوله : « إِلَى الْكَعْبَيْنِ » كالكلام في « إلى المرفقين » . والكعبان فيهما قولان مشهوران ، أشهرهما : أنهما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم ، في كل رجل كعبان . والثاني : أنه العظم الناتىء في وجه القدم حيث يجتمع شراك النعل « 1 » ، ومراد الآية هو الأول . والكعبة : كلّ بيت مربع ، وسيأتي بيانه في موضعه . قوله : مِنْهُ في محلّ نصب متعلّقا ب « امْسَحُوا » و « من » فيها وجهان : أظهرهما : أنها للتبعيض . والثاني : أنها لابتداء الغاية ، ولهذا لا يشترط عند هؤلاء أن يتعلق باليد غبار . وقوله : « لِيَجْعَلَ » الكلام في هذه اللام كالكلام عليها في قوله : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ « 2 » إلا أنّ من جعل مفعول الإرادة محذوفا وعلّق به اللام من « لِيَجْعَلَ » زاد « مِنَ » في الإيجاب في قوله « مِنْ حَرَجٍ » ، وساغ ذلك لأنه في حيّز النفي وإن لم يكن النفي واقعا على فعل الحرج . و « مِنْ حَرَجٍ » مفعول « لِيَجْعَلَ » ، والجعل يحتمل أنه بمعنى الإيجاد والخلق فيتعدى لواحد وهو « مِنْ حَرَجٍ » و « مِنَ » مزيدة فيه ، كما تقدم ، ويتعلق عليكم حينئذ بالجعل ويجوز أن يتعلق ب « حَرَجٍ » . فإن قيل : هو مصدر ، والمصدر لا يتقدّم معموله عليه . قيل : ذلك في المصدر المؤول بحرف مصدري وفعل لأنه بمعنى الموصول ، وهذا ليس مؤولا بحرف مصدري ، ويجوز أن يكون الجعل بمعنى التصيير فيكون « عَلَيْكُمْ » هو المفعول الثاني . قوله : عَلَيْكُمْ فيه ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه متعلق ب « يتم » . والثاني : « أنه متعلق ب « نِعْمَتَهُ » . والثالث : أنه متعلق بمحذوف على أنه حال من « نِعْمَتَهُ » ، ذكر هذين الوجهين الأخيرين أبو البقاء . وهذه الآية بخلاف التي قبلها في قوله : وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي « 3 » حيث امتنع تعلّق الجارّ بالنعمة لتقدّم معمول المصدر عليه كما تقدّم بيانه . قال الزمخشري : « وقرىء فأطهروا أي : أطهروا أبدانكم ، وكذلك : « لِيُطَهِّرَكُمْ » . يعني أنه قرىء : « أطهروا » أمرا من أطهر رباعيا كأكرم ، ونسب الناس القراءة الثانية - أعني قوله « لِيُطَهِّرَكُمْ » - لسعيد بن المسيب . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 7 إلى 13 ] وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ( 7 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ ( 12 ) فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ( 13 )
--> ( 1 ) شراك النعل : سيره . انظر اللسان ( شرك ) . ( 2 ) سورة النساء ، الآية ( 26 ) . ( 3 ) سورة المائدة ، الآية ( 3 ) .